قصر العظم في دمشق.. الإبداع والانسجام مع روح الزمان والمكان
بلدنا - 28-2-2010
قصر العظم، أنموذج مدهش للبيت الدمشقي القديم، حيث يشعر فيه المرء بالانشراح والسرور، لما يحويه هذا البيت من الحجارة الجميلة والرخام الملوَّن والأزهار والبحيرة الصغيرة ونافورتها التي تتوسَّط باحة البيت، ويشغل البيت الآن متحف الفنون والتقاليد الشعبية.. يقع القصر جنوبي الجامع الأموي، بجوار سوق البزورية، وهو من أهم القصور الأثرية في سورية، شيَّده والي دمشق أمير الحج الشامي، أسعد باشا العظم، بعد خمسة أعوام من تولِّيه السلطة على دمشق، أيام السلطان العثماني محمود الأول في العام 1749، وسكنه وبقي فيه حتى اغتالته السلطة العثمانية خنقاً في الحمَّام بعد عزله بفترة قصيرة. يتألَّف القصر حالياً من ثلاثة أقسام بحسب التقليد الدمشقي العريق، وهي: قسم «السلملك» وهو القسم المخصَّص للرجال، وقسم «الحرملك» وهو القسم المخصَّص للنساء، والقسم الثالث هو قسم «الخدملك» وهو المخصَّص للخدم، وطبعاً يضاف إلى ذلك الحمّام والقسم الخاص بالعربات أو المرآب.. ونلاحظ هنا أنَّ المفردات مأخوذة من اللغة التركية التي تشير فيها اللاحقة «لك» إلى اسم المكان؛ فالحرم- لك هو مكان الحريم، والخدم- لك هو مكان الخدم، والسلام- لك هو مكان السلام والضيوف الرجال... للقصر بوابة تؤدِّي إلى ممرِّ عريض مغطَّى بعقود متصالبة، وعلى يمينه مصطبة للجلوس، ويؤدِّي هذا الممر إلى قسمي الاستقبال والمعيشة؛ أي «السلملك» و»الحرملك»، حيث تزيد ساحة «الحرملك» على ثلثي مساحة القصر، وهي المساحة الأكبر غالباً في البيت الدمشقي، وحول فنائه الواسع تتوزَّع القاعات والغرف والإيوان الكبير، وهو شبه غرفة مفتوحة على ساحة البيت، وتمتدُّ أمامه بركة ماء طويلة شبيهة ببركة جنة العريف في غرناطة. وتحيط بالبركة أشجار باسقة للزينة وأشجار حمضيات متنوِّعة، بالإضافة إلى عرائش الياسمين الدمشقي، وقد زُيِّنت واجهات الغرف والقاعات بـ»مداميك» ملوَّنة مغطاة بزخارف هندسية دقيقة، فيما غُطيِّت الأسقف بالأخشاب الملوَّنة. أما القسم الأصغر حجماً، وهو قسم الاستقبال (السلملك)، فيحمل الزخارف ذاتها والطابع المعماري ذاته، وفي وسط فنائه بركة ماء مربَّعة أيضاً.. بينما حمّام القصر، فهو صغير نسبياً، لكن عمارته تشابه عمارة الحمَّامات الدمشقية الضخمة، فهو مؤلَّف من ثلاثة أقسام: البارد والدافئ والحار، أو ما يعرف بـ»البرّاني والوسطاني والجواني»، وبالطبع يقع الحمَّام في قسم «الحرملك» وله قبة ذات عيون زجاجية. في القصر ست عشرة قاعة كبيرة، وتسع عشرة غرفة صغيرة في طابقه الأرضي، وكذلك ثلاثة إيوانات كبيرة، وأربع أقبية، وأربع برك متنوِّعة الأحجام والأشكال. وحوالي تسع عشرة فسقية ماء (الشكل القديم لصنبور الماء)، منها الأرضية ومنها الجدارية. في العام 1952 ميلادي، عملت المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية على تحقيق فكرة إنشاء المتاحف الشعبية والبدء بتحويل قصر العظم إلى متحف للتقاليد الشعبية، وفي العام 1954م جمعت المعروضات من مختلف المناطق السورية عن طريق الإهداء والشراء ووضعت المجسّمات وتماثيل العرض، وافتتح المتحف بتاريخ 13 أيلول العام 1954م. وقد سجَّل هذا المتحف إقبالا كبيراً من المواطنين والأشقاء العرب ومن الزوار الأجانب، وأصبح من أكبر المراكز السياحية في الشرق الأوسط، حتى ليبلغ عدد زواره يومياً أكثر من أربعة آلاف شخص. تحوي غرف وقاعات القصر اليوم تنوُّعاً كبيراً من التحف والمقتنيات الدمشقية والتقليدية التي تحكي بمجملها قصة شعبية عن الحياة اليومية في البيت الدمشقي في تلك الفترة، قصة مشابهة لتلك التي تحكيها المسلسلات التلفزيونية عن الحارة الدمشقية القديمة بتقاليدها المتعددة، لا بل لا نبالغ إن قلنا إنَّ تلك المسلسلات التلفزيونية وفي الكثير من تفاصيلها التي تحيكها عن الحياة اليومية، كانت اعتمدت على ما يظهره هذا المتحف الحي عن الأسرة الدمشقية ومقتنياتها وتقاليدها. تضمُّ قاعات القصر اليوم معرضاً لصناعة الزجاج اليدوية عن طريق النفخ وصناعة أطباق القش وخراطة الخشب مع نماذج من المفروشات الخشبية الدمشقية العريقة من صناديق وكراسي وقنصليات وكراسي للولادة والقباقيب الشبراوية والعرايسية المحفورة أو المطعَّمة والمنزلة بالصدف والعاج والقصدير. كذلك يضمُّ في أركان أخرى جناحاً لصناعة أطباق النحاس المحفورة والمنزلة بالفضة والذهب، وجناحاً للمنسوجات النسائية والرجالية من عدد من المناطق السورية. كما يضمُّ المتحف قاعة لمشهد يمثِّل حياة نساء دمشق اليومية وسمرهن، وفيها تمثال سيدة جالسة أمام منقل نحاسي فيه «دلّة قهوة» وهي تحتسي قهوتها أمام تمثال سيدتين تلعبان «البرجيس» وهي لعبة شعبية معروفة في دمشق القديمة.