داخل ورشة صغيرة لإنتاج الموبيليا والأثاث الخشبي في مدينة داريا قرب دمشق - ذائعة الصيت بهذا النوع من المهن - يقف الحاج محمد بركات ليضع اللمسات الأخيرة على قطعة موبيليا فرغ للتو منها ليكمل بها غرفة نوم كان أنجز شغلها قبل فترة، يقلب الحاج أبو نبيل قطعة الخشب الصغيرة بين يديه ويمسح عليها كما لو أنه يمسح على رأس أحد أبنائه الصغار، وعندما يتأكد من إتمام العمل يعهد بها على أحد صانعيه ليكمل هو الآخر أعمال " المعجون والبخ والزخرفة".
بدأ أبو نبيل عمله في صناعة الأثاث كما يقول، منذ كان في الخامسة عشرة من عمره، وهو الذي ورث المهنة أباً عن جد، ويعتبر أن صناعة الأثاث والمفروشات في سورية صناعة أصيلة كانت منتجاتها حاضرة وبقوة ليس في السوق السورية فحسب بل في أسواق العالم كلها، لما تميزت به من إتقان وجودة في الصناعة أيام لم يكن صيت للأثاث الصيني الذي وصفه بسيئ السمعة رغم رخص ثمنه أو غيره من منتجات البلدان الأخرى التي غزت الأسواق المحلية وأضرت - حسب قوله- بالمنتج الوطني ولكن على حين.
كان زمان
ولئن استطاعت صناعة المفروشات في سورية – حسب قول محمد بركات- من تجديد نفسها مع مرور الأيام ومجاراة أذواق اليوم وابتكارها لأحدث الموديلات العالمية وهو ما أكسبها قيماً مضافة أكثر، إلا أن ذلك لم يشفع لها كي تظل متربعة على عرش هذه الصناعة حتى في الأسواق المحلية نظراً لما اتخمت به هذه السوق من أثاث صيني وتركي وايطالي وحتى إماراتي وغيره من منتجات الدول الأخرى، والتي استفادت حسب ما يشير الحاج محمد من الصيت الذائع للأثاث السوري، ووجدت لها موضع قدم في أسواقنا المحلية مستفيدة من رخص أسعارها ورداءة صناعتها مقارنة بالأثاث السوري وخاصة اليدوي منه " فهذا لن يتضرر بالمنافسة إذا ما قورن بالأثاث المصنع محلياً والمسمى بالشعبي الذي بدأ المنتج الصيني أو التركي أو غيره يسحب البساط من تحت أقدامه شيئاً فشيئاً إلى أن يقصيه خارج المنافسة" ، فغالبية زبائن اليوم كما يقول هم من فئة ذوي الدخل المحدود التي لن تسأل عن الجودة مقابل تحصيل السعر الأرخص، لذلك فهي أكثر إقبالاً على المنتج رخيص الثمن الذي يتربع الصيني على عرشه اليوم.
صالات للصيني
واقع الحال الذي اختصره صاحب الورشة ولخص به وضع صناعة المفروشات السورية اليوم مقابل ما تشهده الأسواق من إغراق بالمنتجات العربية والأجنبية، كان لسان حال الكثيرين ممن امتهنوا صناعة الأثاث وملحقاته في سورية، وهي الصناعة التي يعمل بها أكثر من 3،6 آلاف من الحرفيين في دمشق وريفها وحدهما حسب إحصائيات اتحاد حرفيي دمشق.
ففي مدينة سقبا التي تعد من أشهر المدن السورية بصناعة الأثاث وملحقاته، لن يتجشم السائل كثير عناء حتى يجد من يروي له ما آل إليه واقع الحال، حيث لا يخفي صناعيو المفروشات فيها قلقهم من المستقبل الاقتصادي لمدينتهم التي تنتج أكثر من 50 % من الأثاث التقليدي في سورية، وذلك بسبب المنافسة القوية التي أصبح يمثلها الأثاث المستورد.
وهنا يقول عماد السعد صاحب ورشة للمفروشات، إن هذه الصناعة الوطنية باتت اليوم أمام تحد كبير من قبل الأثاث المستورد، ويتجلى ذلك بعدم قدرة الكثيرين على منافسة المنتج الأجنبي الذي استفاد من اتفاقيات التجارة البينية سواء ما تعلق منها بتركيا أو البلدان العربية، ما دفع الكثير من أصحاب الورش الصغيرة إلى إغلاق أبوابها لقلة الطلب على صناعتها وتفضيل الزبون للأثاث المستورد، بل إن كثيراً من الورش الكبيرة ممن ركض أصحابها خلف الربح السريع حولت مقراتها إلى معارض للمفروشات التركية والصينية.
ويستغرب صاحب ورشة أخرى هذا الإقبال على المنتج المستورد وخاصة الصيني منه، والذي يتسم بسوء التصنيع وقصر عمره الافتراضي فضلاً عن رداءة المواد المستخدمة فيه والمخلوطة على حد قوله، ببواقي القمامة مثل الألمونيوم ونشارة الخشب الملوثة، مقابل الأثاث السوري الذي تتم صناعته لأجيال وأجيال فالعمر الافتراضي للأثاث السوري هو عمر يجعل من الأثاث تحفة فنية فريدة.
ويرى أن معظم المستوردين للأثاث الصيني، ما هم إلا مجموعة من الراغبين في الربح السريع وسرعان ما ستتوقف تجارتهم على حد قوله لأن تلك المنتجات الجديدة القادمة من الشرق الصيني ستغيب شمسها فهي مجرد منتجات استهلاكية تتهالك مع الزمن.
أرقام تشخص الواقع
ولعل البيانات الإحصائية الأخيرة الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء تؤكد ما ذهب إليه عدد من صناع الأثاث المحلي ليس في السوق المحلية فحسب بل في حجم صادرات وواردات سورية في هذا المجال، حيث تكشف الإحصائيات حجم التغير الملحوظ في صادرات ومستوردات سورية من الأثاث الخشبي وملحقاتها، إذ تؤكد البيانات أن صادرات هذه الفئة انخفضت من 8328 طناً بقيمة 819,9 مليون ليرة سورية في عام 2008 إلى 3838 طناً بقيمة 247,9 ليرة في عام 2009، فيما ارتفعت مستوردات الأثاث الخشبي وملحقاته من 282,9 مليون ليرة في عام 2008 إلى 307 ملايين في العام 2009.
هذا التبدل الملحوظ في حجم الصادرات والواردات، يدلل على تأثير المنتج الأجنبي على الصناعة المحلية ما يفرض على الجهات المعنية وضع حد للإغراق الذي تشهده الأسواق المحلية بمنتجات الأثاث والمفروشات المستوردة.
والمتابع لسوق المفروشات والأثاث في سورية يلاحظ انتشار الأثاث المستورد، حيث اختص كل بلد من البلدان المصدرة إلى السوق السورية بنوع معين من المفروشات، فأسرة الأطفال أغلبها مستوردة من مصر، وكذلك غرف النوم المعروفة بالقشر بينما اختصت المنتجات التركية من المفروشات بكونها الأشهر في صناعة غرف الطعام والجلوس، والمنتجات الإماراتية بغرف نوم الأطفال وغرف النوم الفاخرة، بينما لا تزال غرف النوم الحفر وغرف الجلوس والضيوف من اختصاص الصانع السوري، وهذه الصناعة التي لا تزال تحظى بفرص للبقاء وإثبات الذات إذا ما توفرت لها مقومات البقاء وفي مقدمتها التفاتة حكومية تفضيلية، ويرى أصحاب هذا النوع من الصناعة السورية أن الأخيرة لا تخشى المنافسة وذلك لأنها تتميز بالحفر والتعشيق على خشب المفروشات، وبطريقة تطريز فريدة لا يتقنها إلا الصانع السوري بل على العكس- يقول أصحاب هذا النوع من الصناعة – فإن المنافسة وحضور أنواع أخرى في الأسواق المحلية والخارجية، يعطي للصناعي السوري فرصة لإثبات وجوده وتطوير منتجاته كما يعطي للمستهلك فرصة أيضاً لتمييز الغث من السمين.
تساؤلات لها ما يبررها؟!
الغريب في الأمر كما يؤكد كثير من حرفيي وصناعيي الأثاث السوري وملحقاته، هو الدعم الحكومي الذي باتت تحظى به المنتجات المستوردة في سورية وتخصيصها بمعارض ومساحات عرض واسعة، كما حدث مؤخراً في المعرض الدولي للديكور والمفروشات الذي أقامته وزارة الاقتصاد والتجارة بالتعاون مع شركة أميسا لتنمية الأعمال والمعارض بمشاركة 133 شركة من بينها 33 شركة تركية، وذلك في مدينة المعارض والأسواق الدولية، وفيه احتلت المنتجات الأجنبية (المفروشات التركية والصينية وغيرها) أكبر وأهم أجنحة العرض، بينما خصصت الشركات السورية بأجنحة عرض متواضعة.
كما حضرت المنتجات الإيطالية أيضاً في السوق، حيث أعلنت إيطاليا أنها صدرت إلى سورية مفروشات بقيمة 3،3 ملايين يورو في العام 2009، وبزيادة قدرها 56 % عن العام 2008.
بل أكثر من ذلك فقد عرضت المؤسسة العامة الاستهلاكية مفروشات تركية شعبية في بعض مجمعاتها، وخصصت لها صالات عرض واسعة تمهيداً لتوسيع التجربة في حال نجاحها وقبولها لدى المواطنين أصحاب الدخل المحدود، وتضمنت المفروشات التركية المعروضة في صالات المؤسسة غرف بأصناف متعددة شعبية وجيدة، وغرف للأطفال والطعام فضلاً عن غرف الجلوس وملحقاتها.
ويتساءل أصحاب هذه الصناعة عن سر كل هذا الاهتمام بالمنتجات الأجنبية المستوردة وخاصة الصينية منها، فإذا كنا محكومين باتفاقيات التجارة الحرة المبرمة بين سورية والدول العربية أو تركيا وهو ما يسهل دخول هذه المنتجات، فما الذي يدفع لتسهيل استيراد الأثاث والمفروشات الصينية وإغراق الأسواق بها في الوقت الذي يعلم فيه الجميع تدني جودة هذه المنتجات وتأثيراتها السلبية على المنتج المحلي؟!.
تأثير مزدوج
يرى عضو لجنة الصناعات الخشبية في غرفة صناعة حلب كميل عزوز أن تأثير الأثاث المستورد إلى سورية كان باتجاهين الأول ايجابي فتواجد المنتجات المستوردة إلى جانب المحلية زادت المنافسة ورفعت من صحوة المستهلك النهائي وإدراكه بالمنتجات الرخيصة المستوردة ورداءتها أمام الصناعة المحلية، وقال إنه تم إدراج بند لتوعية المستهلك في كثير من الشركات العاملة في مجال الصناعات الخشبية والأثاث الخشبي، بجودة المنتج الوطني مقارنة بالصيني وقد لاقى هذا الوضع تجاوباً من قبل المستهلكين.
التأثير الآخر الذي أشار إليه عزوز هو التأثير السلبي فمزاحمة المنتج المستورد لنظيره المحلي خفض من إقبال المستهلك على هذا الأخير، خاصة أن الصيني منه مدعوم برخص أسعاره التي تتوافق مع قدرة شريحة عريضة من المستهلكين الباحثة عن السعر الأرخص، في الوقت الذي لا تأخذ بعين الاعتبار الجودة ونوعية الخشب المستخدم واللدائن وطرق معالجتها وغيرها من الأمور التي يراعي المنتج المحلي توافرها.
أما المنتج التركي يوضح عضو لجنة الصناعات الخشبية أن أسعاره ما زالت مرتفعة وجودته جيدة وتماثل المنتج المحلي، ووجد الأثاث السوري طريقه للأسواق التركية.
ويطالب عزوز بتوفير دعم كاف للمنتج المحلي وخاصة في مجال التصدير أسوة بالكثير من الدول التي تدعم هذه الصناعة كالهند التي تدعم منتجات الأثاث واللدائن المصدرة بنسبة تصل إلى 12% والصين بنسبة 6% ، وذلك مع الـتأكيد على الجودة في المادة المصدرة والمواظبة على هذه الجودة وتوفير خطوط إنتاج سريعة، وتأمين خطوط شحن مثلى والتخفيض ما أمكن من الإجراءات الجمركية المتعلقة بالإدخال المؤقت.
العراقة وحدها لم تعد تكفي!!
بدوره يقلل رئيس جمعية النجارة في اتحاد حرفي ريف دمشق إبراهيم عباس من الأثر السلبي للأثاث المستورد على نظيره المحلي معتبراً أن مجموع ما يدخل من المفروشات غير المحلية إلى سورية لا يشكل في أحسن الأحوال أكثر من 10 الى15 % وهي من الأصناف التجارية المصنعة آليا وبالتالي ذات جودة اقل نظراً لاستخدامها الخشب المصنع من البقايا في صناعة هذا النوع من المفروشات خلافاً للمنتج المحلي الذي يصنع من أخشاب طبيعية ذات جودة عالية وبالسعر نفسه تقريباً.
وبالرغم من ذلك لا يخفي عباس أن صناعة المفروشات السورية تعاني حالياً من منافسة بعض المصنوعات الأجنبية المستوردة ومنها الصينية وغيرها بسبب رخص أسعارها واستخدامها لمواد ولدائن رخيصة وسيئة التصنيع.
وبين عباس أن الحرفيين ومنذ 15 عاماً طالبوا الجهات المعنية بإقامة البيت التجاري والذي يعني أن يكون هناك مركز يؤمن للحرفي المواد الأولية والخشب ويأخذ منه المنتج ليصدره طالباً أن يعطى المنتجون امتيازات عن التاجر المستورد للأخشاب والذي أصبح يستورد في بعض الأحيان أخشاباً ذات مواصفات أقل أو رطوبة أعلى والتي تسبب إرباكات بعد تصنيعها وجفافها.